ابن رشد
108
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
أنا إنما شاهدنا بعض الأجسام محدثة ، وكذلك بعض الأعراض ، فلا فرق في النقلة من الشاهد في كليهما إلى الغائب . فإن كان واجبا في الأعراض أن ينقل حكم الشاهد منها إلى الغائب ، أعني أن نحكم بالحدوث على ما لم نشاهده منها ، قياسا على ما شاهدناه ، فقد يجب أن نفعل « 81 » مثل « 82 » ذلك في الأجسام ، ونستغني عن الاستدلال بحدوث الأعراض على حدوث الأجسام . [ 36 ] وذلك أن الجسم السماوي ، وهو المشكوك في إلحاقه بالشاهد ، الشكّ في حدوث ( 25 / ظ ) أعراضه كالشك في حدوثه نفسه : لأنه لم يحسّ حدوثه ، لا هو ولا أعراضه . ولذلك ينبغي أن نجعل الفحص عنه من أمر حركته . وهي الطريق التي تفضي بالسالكين إلى معرفة اللّه تبارك وتعالى بيقين ، وهي طريق الخواص ( - يعني علماء الطبيعة ) . وهي التي خص اللّه بها « 83 » إبراهيم عليه السلام في قوله : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ » ( الأنعام 75 ) ، لأن الشك كله إنما هو في الأجرام السماوية . وأكثر النظار إنما « 84 » انتهوا إليها واعتقدوا أنها آلهة . [ 37 ] وأيضا فإن الزمان من الأعراض ، ويعسر تصور حدوثه . وذلك أن كل حادث « 85 » فيجب أن يتقدمه العدم بالزمان ، فان تقدّم عدم الشيء على الشيء لا يتصوّر إلا من قبل الزمان . [ 38 ] وأيضا فإن المكان الذي يكون فيه العالم - إذا كان : كل متكوّن فالمكان سابق « 86 » له - يعسر تصور حدوثه أيضا ، لأنه إن كان خلاء ، على رأي من يرى أن الخلاء هو المكان ، احتاج « 87 » أن يتقدم حدوثه ، إن فرض حادثا ، خلاء آخر . « 15 » وإن كان المكان ( - هو ) نهاية الجسم ، المحيط بالمتمكن ، « 88 » على الرأي الثاني ، لزم
--> ( 15 ) كان هناك تصوران للمكان : أحدهما يعتبر المكان بمثابة وعاء للشيء المتمكن فيه ، كالإناء بالنسبة للماء ، والقائلون بهذا يجعلون " الخلاء " مكانا للعالم . والثاني يتصور المكان على أنه نهاية محيط الجسم ، فمكان الكأس هو سطحه المحيط به من جهاته . والقائلون بهذا ينفون وجود الخلاء . وما يقوله ابن رشد هنا هو كما يلي : إذا فرضنا أن العالم هو كالكرسي في هذه - ( 81 ) ت . مل 1 ، قا : " يفعل " ( 82 ) ت ، مل 1 ، قا : سقط " مثل " ( 83 ) ت ، مل 1 ، قا : " به " ( 84 ) ت ، مل 1 ، قا : سقط " انما " ( 85 ) س ، ثبت في المتن " إن كان حادثا " وعلى الهامش تعديل : هكذا : " كل حادث " . ( 86 ) س ، ت ، مل 1 : " سابق " . ( وفي المتن : " إذا كان كل متكون بالمكان سابقا له " . وهي عبارة غامضة لا شك أن فيها تصحيفا . والمعنى يقتضي ما أثبتنا : " فالمكان سابق له " ، على رأي من يقول بالخلاء . م . ع . ج ) ( 87 ) ت ، مل 1 : " يحتاج " . ( 88 ) ت ، قا : " بالتمكن " .